اسماعيل بن محمد القونوي
500
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( تغليبا للموجود ) لشرافته وإن كان قليلا ( على ما لم يوجد ) وباب التغليب كله من قبيل المجاز كما صرح به في شرح التلخيص فهنا يكون مجازا من قبيل تسمية الكل باسم جزئه وتحقيقه أن إنزال جميع القرآن معنى واحد يشمل ما هو حقه صيغة الماضي وما حقه الاستقبال فعبر عنهما معا بالماضي ولم يعكس تغليبا للموجود على ما لم يوجد فهو من قبيل إطلاق اسم الجزء على الكل أو إطلاق اسم الجزئي على الكلي والمراد بالوجود الخارجي وأما بحسب الوجود العلمي فكلها موجودة والمراد بالوجود ليس ما هو حقيقته الموجودة في الخارج فإنه كلام نفسي قائم بذاته تعالى فالإنزال غير متصور فيه وهو ظاهر بل المراد الألفاظ المنطوقة المسموعة الموجودة في التلفظ ولو متعاقبا الدالة على الكلام النفسي دلالة عقلية الموجود في الأعيان وإرادة النقوش بعيدة هنا إذ تلقف الملك ليس إلا الألفاظ وإنما أوضحناه مع ظهوره إذ المتبادر الموجود في الأعيان وهو الكلام النفسي وإرادته هنا متعذرة . قوله : ( أو تنزيلا للمنتظر منزلة الواقع ونظيره ) أي شبه مجموع المنزل بشيء نزل في تحقق النزول لأن بعضه منزل وبعضه منتظر سينزل قطعا فيصير إنزال مجموعه مشبها بإنزال ذلك الشيء الذي نزل فيستعار صيغة المضي من إنزاله لإنزال المجموع فلا إشكال بتوهم لزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز في كلا الوجهين إما في التغليب فلأنه أريد به معنى واحد يتركب من الحقيقي والمجازي يعمهما ولم يستعمل اللفظ في كل واحد منهما بل في المجموع ومثل هذا الجمع جائز بالاتفاق وقد مر توضيحه فأنزل استعمل في إنزال جميع القرآن مجازا وهو معنى واحد يشمل ما حقه صيغة الماضي وهو معنى حقيقي له ويشمل أيضا ما حقه صيغة المستقبل وهو معنى مجازي له لكن لم يستعمل أنزل فيهما لما عرفت والشريعة عن آخرها وهذا ما كان منزلا كذلك احتيج في التعبير عن نزوله بلفظ المعنى إلى تأويل فتأوله أنه لما كان بعضه نازلا وبعضه مترقبا النزول غلب ما أنزل منه على ما لم ينزل فكان كأنه كله قد أنزل وفي الكشاف المراد المنزل كله وإنما عبر عنه بلفظ المضي وإن كان بعضه مترقبا تغليبا للموجود على ما لم يوجد كما يغلب المتكلم على المخاطب والمخاطب على الغائب فيقال أنا وأنت فعلنا وأنت وزيد تفعلان ولأنه إذا كان بعضه نازلا وبعضه منتظرا لنزول جعل كأنه كله قد نزل وانتهى نزوله يعني أن الوجه في التعبير عن الماضي والآتي معا بلفظ الماضي إما تغليب ما حصل له الوجود على ما لم يحصل وإما جعل المترقب بمنزلة المتحقق فالأول مجاز باعتبار تسمية الكل باسم الجزء والثاني استعارة باعتبار تشبيه غير الموجود في تحقق وجوده بما هو موجود كائن وإنما حمل ما أنزل إليك على الجميع مع أن اللفظ يحتمل الصرف إلى البعض النازل الموجود لأن المقام مقام مدح للمتقين والمدح إنما يكمل ويتم في الإيمان بالجمع مما هو ماض ومترقب ولدلالة تنكير هدى وحصر الكمال عليه في جملتي أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 5 ] وإفادة لفظ يؤمنون معنى الاستمرار الدال على عدم اقتصار إيمانهم على ما تحقق نزوله ومضى كأنه قيل يجددون إيمان بما نزل شيئا فشيئا ماضيه ومترقب على حسب تجدد الإنزال .